محمد بيومي مهران
14
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
عليه . فقال الشيطان أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه ، قالوا افعل فصوّره في المسجد من صفر ورصاص ، ثم مات آخر ، فصوره ، حتى ماتوا كلهم فصوّرهم ، وتنقصت الأشياء كما تنتقص اليوم إلى أن تركوا عبادة اللّه تعالى بعد حين ، فقال لهم الشيطان : ما لكم لا تعبدون شيئا ، قالوا وما نعبد ، قال : آلهتكم وآلهة آبائكم ، ألا ترون في مصلاكم ، فعبدوها من دون اللّه ، حتى بعث اللّه نوحا فقالوا : « لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ، وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس أيضا : بل كانوا قوما صالحين من آدم ونوح ، وكان لهم تبع يقتدون بهم ، فلما ماتوا زيّن لهم إبليس أن يصوروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم ، وليتسلوا بالنظر إليها ، فصوروهم ، فلما ماتوا هم وجاء آخرون قالوا : ليت شعرنا ، هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها ، فجاءهم الشيطان فقال : كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر ، فعبدوها ، فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت . ويقول الإمام القرطبي : وبهذا المعنى فسر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة : أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة تسمى مارية فيها تصاوير لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إن أولئك كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة » « 1 » . ومن أجل هذا كله ، جاءت الشريعة الإسلامية الغراء تحظر التصوير باليد لكل ذي روح ، وتحرم اتخاذ التماثيل أيا كان الغرض منها ، روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس عن أبي طلحة رضي اللّه
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ص ( 6786 - 8687 ) ، تفسير ابن كثير ( 4 / 666 - 667 ) ، تفسير النسفي 4 / 297 ، صفوة التفاسير 3 / 454 ، تفسير جزء تبارك ض ( 135 - 137 ) .